تواجه قناة السويس المصرية اختبارًا جديدًا مع تصاعد التوترات في باب المندب والبحر الأحمر، بعد نحو ثلاثة أعوام من اضطرابات الملاحة التي كبدت القناة مليارات الدولارات من الخسائر. ويقول الخبير في قطاع الخدمات اللوجستية نصر الدين بوغاشيش إن الضغوط المتزايدة على باب المندب تهدد سلاسل الإمداد العالمية وتنعكس مباشرة على اقتصادات المنطقة، ومنها مصر.
وتنشر وكالة الأناضول تقريرًا أعده حسين القباني ولينا الطويل، يرصد تداعيات تجدد التوترات في باب المندب على حركة الملاحة عبر قناة السويس، وموقف القاهرة من التطورات، إلى جانب تقديرات خبراء الاقتصاد والنقل البحري بشأن قدرة القناة على مواجهة تداعيات التصعيد.
تصاعد التوترات يضع قناة السويس تحت الاختبار
تسببت التوترات في باب المندب، قبل نحو ثلاثة أعوام، في اضطراب حركة الملاحة عبر البحر الأحمر، وألحقت خسائر بمليارات الدولارات بقناة السويس، أحد أبرز مصادر النقد الأجنبي لمصر.
وهددت جماعة الحوثيين الملاحة عبر باب المندب، البوابة التي تصل البحر الأحمر بقناة السويس المصرية ومنها إلى البحر المتوسط، قبل نحو ثلاثة أعوام. وأدت هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر آنذاك إلى خسائر بلغت نحو 11 مليار دولار للقناة، وفق مسؤولين مصريين.
واستأنف الحوثيون استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر قبل نحو شهرين، ما دفع مصر إلى التحذير من تداعيات أي اضطراب في طرق الملاحة الدولية، بما فيها القناة التي تربط بين آسيا وأوروبا.
وتغيرت خريطة السيطرة على الأراضي اليمنية خلال الفترة الأخيرة، إذ تقدم الحوثيون على طول الساحل الغربي وسيطروا على مناطق استراتيجية، بينها جزر في البحر الأحمر مثل جزيرة ميون الواقعة في مضيق باب المندب.
وتصاعدت التوترات في البحر الأحمر وخليج عدن منذ 20 يوليو، عندما أعلن الحوثيون فرض «حصار بحري» على السفن المرتبطة بالسعودية، ردًا على ما وصفوه بالحصار السعودي المفروض على مناطق خاضعة لسيطرتهم في اليمن.
واستهدف الحوثيون ناقلات نفط وسفنًا سعودية على طرق الملاحة الإقليمية، كما شنوا هجمات على مواقع داخل المملكة، بينها مطارات مدنية ومنشآت لإنتاج الطاقة، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وأضرار مادية.
وتقود السعودية منذ عام 2015 تحالفًا يدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، فيما تتهم إيران بدعم الحوثيين الذين يسيطرون على محافظات ومدن يمنية، بينها العاصمة صنعاء، منذ عام 2014.
وأكدت مصر والسعودية الأسبوع الماضي أهمية ضمان حرية الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، عقب مباحثات جمعت رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان في القاهرة.
وقبل ذلك بأيام، دعا السيسي خلال قمة مجموعة بريكس في الهند إلى حماية حرية الملاحة عبر الممرات المائية الدولية، في ظل التطورات الراهنة، ولا سيما أن جانبًا كبيرًا من التجارة العالمية يمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وتأتي التوترات في البحر الأحمر بالتزامن مع تصعيد إقليمي أعقب هجمات أمريكية وإسرائيلية على إيران في فبراير، وردت طهران بشن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مناطق مختلفة في المنطقة. كما أغلقت طهران فعليًا مضيق هرمز، أحد الممرات الاستراتيجية لإمدادات الطاقة.
باب المندب.. نقطة اختناق استراتيجية لمصر
يرتبط دعوة مصر إلى التهدئة والاستقرار في باب المندب بموقع المضيق باعتباره «نقطة اختناق استراتيجية»، إلى جانب اعتبارات اقتصادية واستراتيجية تمس الأمن القومي المصري، بحسب ما قاله الخبير في قطاع الخدمات اللوجستية نصر الدين بوغاشيش لوكالة الأناضول.
وأوضح بوغاشيش أن أي اضطراب في باب المندب سينعكس بصورة مباشرة وفورية على قناة السويس، باعتبارها شريانًا حيويًا لمصر، إذ قد يدفع السفن إلى تغيير مسارها والابتعاد عن القناة.
وأضاف أن ذلك سيؤدي إلى ضربة مباشرة لإيرادات قناة السويس، التي تشكل مصدرًا أساسيًا للنقد الأجنبي في البلاد.
وحذر الخبير من أن الوضع في باب المندب لا يزال مفتوحًا أمام سيناريوهات صعبة، مشيرًا إلى أن تصاعد الضغوط على المضيق يهدد كفاءة سلاسل الإمداد العالمية، وينعكس مباشرة على الموارد الاقتصادية لدول المنطقة، ومن بينها مصر.
وسعت القاهرة إلى طمأنة الرأي العام بشأن سلامة الملاحة في قناة السويس، بالتزامن مع تصاعد المخاوف العالمية من التوترات في باب المندب.
وقال رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع، خلال فعالية بمناسبة اليوم البحري العالمي 2026، وفق بيان للهيئة صدر في 20 سبتمبر، إن القناة «آمنة، والملاحة منتظمة، والخدمات تعمل بكفاءة، والمرشدون على أعلى مستويات الأداء والاستعداد».
وأوضح ربيع أن 1358 سفينة عبرت القناة خلال أغسطس، بإجمالي حمولة صافية بلغت 68.3 مليون طن، وإيرادات وصلت إلى 567.1 مليون دولار.
وأشار إلى أن التحديات السابقة أثرت مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية، وانعكست تداعياتها على الملاحة عبر قناة السويس، لكنه رأى أنها أظهرت أهمية القناة في تأمين سلاسل الإمداد العالمية، وعززت مكانتها الدولية وأكدت عدم وجود مسار بديل مستدام للقناة.
وكان ربيع يشير إلى هجمات الحوثيين على السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر وباب المندب عقب اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023. ودفع ذلك شركات شحن كبرى إلى تحويل مسارات سفنها حول رأس الرجاء الصالح، ما تسبب في خسائر بلغت نحو 11 مليار دولار لقناة السويس.
وقال ربيع، إن الهيئة عملت خلال الأزمة على تنويع مصادر دخلها عبر توطين صناعة الوحدات البحرية، وإقامة شراكات مع القطاع الخاص، واستحداث خدمات بحرية جديدة.
وجاءت هذه التأكيدات في وقت أعلنت فيه شركة ميرسك الدنماركية للشحن وشركة هاباغ-لويد الألمانية، في بيانين منفصلين في 14 سبتمبر، استئناف أربع خدمات مشتركة للحاويات مرورها عبر قناة السويس بدلًا من استخدام المسار البحري حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا.
مرونة اقتصادية ومخاطر تصعيد واسع
قال خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، لوكالة الأناضول، إن التوترات الأمنية حول باب المندب منذ عام 2023 فرضت ضغوطًا مالية على قناة السويس، لكنها لم تقوض بنيتها التشغيلية.
وأوضح الشافعي أن القناة صمدت أمام الأزمة بفضل المرونة الجغرافية والاقتصادية التي تضمن استمرارها، ما حدّ من الخسائر في نطاق تأثيرات مالية مؤقتة إلى حين استقرار الأوضاع الأمنية.
وأضاف أن القناة قدمت خلال الأزمة حوافز وخصومات على رسوم العبور، ونوّعت خدماتها البحرية ضمن جهودها للتعامل مع تداعيات الأزمة.
ورأى الشافعي أن قرار شركتي ميرسك وهاباغ-لويد العودة إلى قناة السويس يعكس أهمية الاعتماد على الممر الملاحي المصري.
وتوقع أن تتمكن القناة من «الصمود مجددًا» أمام التوترات، مستندًا إلى مزاياها الجغرافية والاقتصادية، ولا سيما أنها تتعامل عادة مع نحو 12% من التجارة العالمية ونحو 30% من حركة تجارة الحاويات عالميًا.
ولم يستبعد الشافعي إمكانية اضطلاع مصر بدور الوساطة لإنهاء التوترات البحرية، معتبرًا ذلك أحد الخيارات الممكنة لتجنب تداعيات اقتصادية قد تطال مصر والسعودية ودولًا أخرى مطلة على البحر الأحمر.
من جانبه، قال أحمد الشامي، خبير اقتصاديات النقل البحري والخدمات اللوجستية، إن المخاطر لا تزال تهدد باب المندب، لكنه أشار إلى أن تأثيرها المباشر على قناة السويس يظل محدودًا حتى الآن، في ظل استمرار نمو حركة الملاحة عبر القناة.
وأوضح الشامي أن التهديدات الحالية تختلف عن التوترات السابقة، ولا سيما مع تحديد الحوثيين السفن السعودية أهدافًا لهم هذه المرة، لكنه أكد أن الخطر لا يزال قائمًا، وأن التطورات المقبلة ستحدد حجم تأثيرها على حركة الشحن.
وحذر من أن استمرار استهداف السفن قد يدفع شركات الشحن إلى تعديل مساراتها، مشيرًا إلى أن عودة ميرسك إلى قناة السويس تعكس تقييمًا اقتصاديًا يرى أن العبور عبر القناة أكثر جدوى من الإبحار حول رأس الرجاء الصالح.
وحذر الشامي من أن اتساع نطاق هجمات الحوثيين على السفن قد يقود إلى تصعيد عسكري واسع يؤثر في التجارة العالمية، وليس قناة السويس وحدها، بنسبة قد تصل إلى 25% أو 30%.
وأشار إلى أن قناة السويس تسجل حاليًا نموًا تدريجيًا في حركة الملاحة مقارنة بالعامين السابقين، متوقعًا ارتفاع إيراداتها إلى أكثر من 7.5 مليار دولار بحلول منتصف العام المقبل، مقابل أقل من 4 مليارات دولار في عام 2024، مع عدم استبعاد إمكانية اضطلاع القاهرة بدور الوساطة لاحتواء الأزمة الراهنة.
https://www.aa.com.tr/en/middle-east/bab-al-mandeb-tensions-test-egypt-s-suez-canal/4064203

